يزيد بن محمد الأزدي

260

تاريخ الموصل

تبن فدخلوه ونبشوه بأيديهم ، فلم أشك أنى مأخوذ ، فعاهدت الله تعالى أنه إن نجاني أن أنزع عن ذنوب كثيرة ، وإن تقلدت الوزارة أمنت المستترين وأطلقت ضياع المنكوبين ، ووقفت وقوفا على الطالبيين ، فما استتممت نذرى حتى خرج الطلب وكفاني الله أمرهم . وكان ابن مقلة قد نفى أبا العباس أحمد بن عبيد الله الخصيبي وسليمان بن الحسن ، وكلاهما وزراء للمقتدر ، وتقدم بإنفاذهما في البحر ، فخب بهما البحر ويئسا من الحياة ، فقال الخصيبي : اللهم إني أستغفرك من كل ذنب وخطيئة ، وأتوب إليك من معاودة معاصيك إلا من مكروه أبى علي بن مقلة ، فإنني إن قدرت عليه جازيته عن ليلتي هذه وما حل بي منه فيها ، وتناهيت في الإساءة إليه ، فقال سليمان : ويحك ! في هذا الموضع وأنت معاين للهلاك تقول هذا ؟ ! فقال : لا أخادع ربى ! فلما عزل ابن مقلة في خلافة الراضي ضمنه الخصيبي بألفي ألف دينار ، وحلت به المكاره من قبله ، وكان ابن مقلة لما شرع في بناء داره بالزاهر جمع المنجمين حتى اختاروا له وقتا لبنائه ، ووضع أساسه بين المغرب والعشاء ، فكتب إليه بعضهم : قل لابن مقلة : مهلا لا تكن عجلا * واصبر فإنك في أضغاث أحلام تبنى بأنقاض دور الناس مجتهدا * دارا ستنقضّ أيضا بعد أيام ما زلت تختار سعد المشترى لها * فلم توق به من نحس بهرام إن القران وبطليموس ما اجتمعا * في حال نقض ولا في حال إبرام وكان له : بستان ، عدة أجربة ، شجر بلا نخل ، عمل له شبكة إبريسم ، وكان يفرخ فيه الطيور التي لا تفرخ إلا في الشجر : كالقمارى والدباسى والهزار والببغ والبلابل والطواويس والقبج ، وكان فيه من الغزلان والبقر البدوية والنعام والإبل وحمير الوحش ، وبشر بأن طائرا بحريّا وقع على طائر برى فازدوجا وباضا وأفقصا ؛ فأعطى من بشره بذلك مائة دينار ببشارته . وكان بين جحظة الشاعر وبين ابن مقلة صداقة قبل الوزارة ، فلما استوزر استأذن عليه جحظة فلم يؤذن له فقال : قل للوزير أدام الله دولته * اذكر منادمتى والخبز خشكار إذ ليس بالباب برذون لنوبتكم * ولا حمار ولا في الشط طيار وكان ابن مقلة يوما على المائدة ، فلما غسل يده رأى على ثوبه نقطة صفراء من الحلوى ، فأخذ القلم وسودها وقال : تلك عيب ، وهذا أثر صناعة ، وأنشد : إنما الزعفران عطر العذارى * ومداد الدواة عطر الرجال